النويري
242
نهاية الأرب في فنون الأدب
والوصىّ الوفىّ ، والصّدّيق الأكبر ؛ إنها إحن بدريّة ، وأحقاد جاهلية ، وضغائن أحديّه ، وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك بها ثارات بنى عبد شمس ؛ ثم قالت : قاتلوا أئمّة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ؛ صبرا معشر المهاجرين والأنصار ، قاتلوا على بصيرة من ربّكم ، وثبات من دينكم ، وكأنّى بكم غدا قد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة ، فرّت من قسورة ، لا تدرى أين يسلك بها من فجاج الأرض ، باعوا الآخرة بالدنيا ، واشتروا الضّلالة بالهدى ، وباعوا البصيرة بالعمى ، و « عمّا قليل ليصبحنّ نادمين » ، حين تحلّ بهم الندامة ، فيطلبون الإقالة ، إنه واللَّه من ضلّ عن الحقّ وقع في الباطل ، ومن لم يسكن الجنّة نزل النار ؛ أيها الناس ، إنّ الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها ، واستبطئوا « 1 » مدّة الآخرة فسعوا لها ؛ واللَّه أيها الناس ، لولا أن تبطل الحقوق ، وتعطَّل الحدود ، ويظهر الظالمون ، وتقوى كلمة الشيطان ، لما « 2 » اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه ، فإلى أين تريدون - رحمكم اللَّه - ؟ عن ابن عمّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وزوج ابنته ، وأبى ابنيه ، خلق من طينته ، وتفرّع عن نبعته ، وخصّه بسرّه ، وجعله باب مدينته ، وأعلم بحبّه المسلمين ، وأبان ببغضه المنافقين ؛ فلم يزل كذلك يؤيّده اللَّه بمعونته ، ويمضى على سنن استقامته ، لا يعرّج لراحة اللذّات ؛ وهو مفلَّق الهام ، ومكسّر الأصنام ؛ إذ صلَّى والناس مشركون ، وأطاع والناس مرتابون ؛ فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزى بدر ، وأفنى أهل أحد ، وفرّق جمع هوازن ، فيا لها وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا ، وردّة وشقاقا ! وقد اجتهدت في القول ، وبالغت في النصيحة ، وباللَّه التوفيق ؛ وعليكم السلام ورحمة اللَّه وبركاته .
--> « 1 » في العقد الفريد : « واستطابوا الآخرة » ؛ والمعنى يستقيم على كلتا الروايتين . « 2 » كذا وردت هذه العبارة في الأصل بثبوت اللام ؛ والذي في كتب القواعد أن الأكثر في الاستعمال عدم إثباتها في جواب لولا المنفى .